فالداعي إلى خوض هذه المسألة أن كثيراً من المقلدين ، وكذلك المفتين وأهل العلم ، يجادلون من ينكر عليهم التوسع في تتبع رخص العلماء من غير ضابط بقولهم : أأنتم أعلم أم الإمام الفلاني ؟ وألستم تعرفون فضل هؤلاء الأئمة، ومكانتهم من العلم والفقه والتقوى ؟ فما بالنا لا نأخذ برخصهم وأقوالهم ؟ وهذه معارضة فاسدة لا تصح، لأن الله لم يجعل العصمة لأحدٍ دون رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فالرجل الجليل القدر، العظيم المنزلة ، قد تقع منه الهفوات والزلاّت ، وهذا بشهادة أئمة الدين، وسادات الدنيا فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : (( ثلاث يهدمن الدين زلة العالم ، وجدال المنافق بالقرآن ، وأئمة مضلون )) (1) . وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله : (( ويل للأتباع من عثرات العالم . قيل : وكيف ذاك ؟ قال : يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله ش فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الاتباع )) (2) . وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى قوله : (( إني أخاف على أمتي من ثلاث : زلة عالم ، ومن هوى متبع ، ومن حكم جائر )) (3) . وليست هناك شهادة بعد هذه الشهادة ، فأي معنى للتشبث ببعض المستشنعات التي وردت عن الأئمة ، وإفتاء الناس بها ، ناهيك عن كثير من المسائل التي يخرِّجها الاتباع على لوازم باطلة لا تصح (4) ، بل وقد يُنسب للإمام ما لم يقله ، كما حدث لأحمد رحمه الله حين نُسب إليه القول أن الغسل __________ (1) انظر : الفتاوى الكبرى 6 / 95 . (2) انظر : الفتاوى الكبرى 6 / 96 . (3) الحديث ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 187 قال : وفيه كثير بن عبد الله بن عوف ، وهو متروك ، وقد حسّن له الترمذي . واحتج بالحديث ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى 6 / 940 . (4) انظر : إعلام الموقعين 3 / 286 .