ويهاجر الزبير الى الحبشة، الهجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة وما أكثر الطعنات التى تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها، أوسمة تحكى بطولة الزبير وأمجاده! ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التى تزدحم على جسده، يحدثنا عنها فيقول صحبت الزبير بن العوّام فى بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وان فى صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمى، فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك مالم أره بأحد قط. فقال لى: أما والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفى سبيل الله. وفى غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة وندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا فى الرجوع الى المدينة واستئناف القتال وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التى استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التى أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها؛ ما هى الا مقدمة لجيش الرسول الذى يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها، وأسرعت خطاها الى مكة. ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده؛ فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح هو الله أكبر واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه، ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها، وسيف يتوهج فى يمينه لا يكبو، ولا يحبو. وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت فى سبيل الله. وكان يقول ان طلحة بن عبيد الله يسمى بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبى بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وإنى لأسمى بنى بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون وهكذا سمى ولده عبد الله بن الزبير تيمنا بالصحابى الشهيد عبد الله بن جحش، وسمى ولده المنذر تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو، وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو، وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبد المطلب، وسمّى جعفر تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبى طالب، وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير، وسمى خالد تيمنا بالصحابى الشهيد خالد بن سعيد، وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء، راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء. ولقد قيل فى تاريخه أنه ما ولى امارة قط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو فى سبيل الله". وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل فى فى اعتماده التام على نفسه، وفى ثقته التامة بها، فلو كان يشاركه فى القتال مائة ألف، لرأيته يقاتل وحده فى لمعركة؛ وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده. وكان فضيلته كمقاتل، تتمثل فى الثبات، وقوة الأعصاب. رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد مثّل المشركون بجثمانه القتيل فى قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر الا فى ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحى ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه! وحين طال حصار بنى قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع على ابن أبى طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع على قوله والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن، وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما انزال الرعب فى أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين، ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك فى تلك الغزوة؛ أبصره بعد هزيمتهم فى حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكمن الذى كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة.
ولقد كان حظه من حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديره عظيما، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يباهى به ويقول (ان لكل نبى حواريا وحواريى الزبير بن العوّام) ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفى القوى، والشجاع الأبىّ، والجوّاد السخىّ، والبائع نفسه وماله لله رب العالمين، ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال أقام على عهد النبى وهديه حواريّه، والقول بالفعل يعدل، أقام على منهاجه وطريقه يوالى ولى الحق، والحق أعدل، هو الفارس المشهور والبطل الذى يصول اذا ما كان يوم محجّل، له من رسول الله صلى الله عليه وسلم قربى قريبة، ومن نصرة الاسلام مجد موثّل، فكم كربة ذبّ الزبير بسيفه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، والله يعطى ويجزل، وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسى رهان، فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه فى الاسلام حتى مات مدينا، وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته حتى وهو يجود بروحه، ويوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قال له اذا أعجزك دين، فاستعن بمولاى وسأل عبد الله أى مولى تعنى؟ فأجابه الله، نعم المولى ونعم النصير. يقول عبد الله فيما بعد فوالله ما وقعت فى كربة من دينه الا قلت: يا مولى الزبير اقضى دينه، فيقضيه.
وفى يوم الجمل، كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال، وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدى ربه يصلى، وذهب القاتل الى الامام على يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذى استلبه منه، بعد اقتراف جريمته، لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلا بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الامام وأمعن بالبكاء وهو يقول سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله.
أهناك تحيّة نوجهها للزبيررضي الله عنه فى ختام حديثنا عنه، أجمل وأجزل من كلمات الامام على، فسلام على الزبير فى مماته بعد محياه، سلام، ثم سلام، على حوارى رسول الله.
اللهم بجاه الحبيب العدنان وآله الكرام الطيبين وأصحابه الغر الميامين أجعلنا معهم دائما أبدا، وأحشرنا فى ذمرتهم أجمعين وأكرمنا بمشايخنا وسادتنا اللهم أمين ولجميع أخواننا أمين أمين. يموت شهيدا من أحب محمدا وآلا وأصحابا فيا سعد ميت .......... الزهراء ياسين رابط الموضوع على موقع المجلة:- < http://almagalla.info/2011/dec7.htm>
جوامع الخير
أورد الحافظ ابن كثير هذه الخطبة للإمام على رضي الله عنه وقال عنها: هذه خطبة بليغة جامعة للخير ناهية عن الشر. قام سيدنا على بن ابى طالب رضي الله عنه خطيباً فقال:
الحمد لله فاطر الحق، وفالق الاصباح، وناشر الموتى، وباعث من فى القبور، وأشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله، فإن أفضل ما توسل به العبد: الإيمان، والجهاد فى سبيله، وكلمة الإخلاص، فإنها الفطرة، وإيقام الصلاة فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فريضته، وصوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، وحج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنوب، وصلة الرحم فإنها مثراة فى المال منسأة فى الأجل مجبة فى الأهل، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنع المعروف فإنها يدفع ميتة السوء ويقى مصارع الهول، أفيضوا فى ذكر الله فإنه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وعد المتقون، فإن وعد الله أصدق الوعود وأقتدوا بهدى نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضل الهدى، واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن، وتعلموا كتاب الله فإنه أفضل الحديث، وتفقهوا فى الدين فإنه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما فى الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، وإذا قرئ هليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن العالم العامل بغير عمله كالجاهل الجائر الذى لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه عن هذا الجاهل المتحير فى جهله، وكلاهما مضلل مثبور -هالك.
لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا -فتغفلوا عن الحق- ولا تنهلوا فى الحق فتخسروا، ألا وإن من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة ألا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم، ثم سلوا الله اليقين وارغبوا إليه فى العافية، وخير ما دام فى القلب يقين، وإن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها، وكل محدَث بدعه، وكل محدِث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيع، وما أحدَث محدِث بدعه إلا وترك بها سنة، المغبون من غُبِن دينه، والغبون من خسر نفسه، وإن الرياء من الشرك، وإن الإخلاص من العمل والإيمان، ومجالس اللهو تنسى القرآن، ويحضرها الشيطان، وتدعوا إلى كل غى، ومجالسه النساء تزيغ القلوب وتطمح إليها الأبصار، وهى مصائدالشيطان، فاصدقوا الله، فإن الله مع من صدق وجانبوا الكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان، ألا إن الصدق على شرف منجاة وكرامة، وإن الكذب على شرف ردى وهلكة، ألا وقولوا الحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فأعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا تمازحوا، ولا يغضب بعضكم بعضاً، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم، وأفشوا السلام، وردوا التحية على أهلها بمثلها أو الحسن منها ?وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب? المائدة 5: 2، وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنازة، وكونوا عباد الله إخواناً.