أحسن القصص

الصفحة 70

ثمَّ وصف المشاهد بدمشق فقال: وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمزارات والمشاهد وذكر مشاهد الصحابة فقال: وبغربيِّ دمشق جبَّانة تعرف بقبور الشهداء فيها قبر أبي الدرداء وزوجة أبي الدرداء، وقبر فضالة بن عبيد، وقبر واثلة بن الأسفع وقبر سهل بن حنظلة. من الذين بايعوا تحت الشجرة. وقد ذكر مشاهد كثير من الصحابة والأولياء في دمشق ووصف جامع دمشق المعروف بجامع بني أمية وصفاً دقيقا.

غيرته على الدين

قال عند زيارته للسلطان محمد بن آيدين سلطان بركي: وفي أثناء قعودنا مع السلطان أتى شيخٌ على رأسه عمامةٌ لها ذؤابة فسلَّم وقام له القاضي والفقيه وقعد أمام السلطان فوق المصطبة والقرَّاء أسفل منه فقلت للفقيه: من هذا الشيخ ؟ فضحك وسكت، ثمَّ أعدت السؤال، فقال لي: هذا يهوديٌّ طبيب، وكلُّنا محتاجٌ إليه، فلأجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له، فأخذني ما أخذني من الامتعاض، فقلت لليهودي: يا ملعون يا بن الملعون كيف تجلس فوق قرَّاء القرآن وأنت يهوديٌّ ؟ وشتمتُه ورفعتُ صوتي. فعجب السلطان وسأل عن معنى كلامي، فأخبره الفقيه به، وغضب اليهوديُّ فخرج من المجلس في أسوأ حال، ولما انصرفنا قال لي الفقيه: أحسنتَ بارك الله فيك، إنَّ أحداً سواك لا يتجاسر على مخاطبته بهذا ولقد عرَّفته بنفسه. والعجيب في الأمر أنَّ السلطان سكت وقد انتهر ابن بطوطة الرجل في حضرته وإن كان ابن بطوطة قد ذكر هذا السلطان وذكر أنه من الصلحاء.

طرائف

وقال عندما تحدَّث عن سواحل مدينة جبلة التي بها قبر سيِّدي إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه: وأكثر أهل هذه السواحل من الطائفة الباطنية، وهم لا يصلون ولا يتطهَّرون ولا يصومون، وكان الملك الظاهر ألزمهم ببناء المساجد بقراهم، فبنوا بكلِّ قريةٍ مسجدا بعيداً عن العمارة، لا يدخلونه ولا يعمرونه، وربما أوت إليه مواشيهم ودوابُّهم، وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد، ويؤذن للصلاة، فيقولون له: لآ تنهق علفك يأتيك.

وقال عند حديثه عن أحد سلاطين الأتراك وهو السلطان طرمشيرين: أنه حضرت صلاة العصر يوما ولم يحضر، فجاء أحد غلمانه بسجادة ووضعها قُبالة المحراب حيث جرت عادتُه أن يُصلي، وقال للإمام حسام الدين الياغي: إن مولانا يريد ان تنتظره بالصلاة قليلا ريثما يتوضَّأ،فقال له الإمام غاضباً: الصلاة لله أم لطرمشيرين ؟ ثمَّ أمر المؤذن بإقامة الصلاة، وجاء السلطان وقد صلَّى الإمام ركعتين فجاء وصلَّى معه ركعتين ثمَّ قضى ما فاته، وقام إلى الإمام يصافحه وهو يضحك، وجلس قبالة المحراب والإمام إلى جانبه وأنا إلى جانب الإمام فقال لي: إذا ذهبتَ إلى بلادك فحدّث أنَّ فقيراً من فقراء الأعاجم يفعل هكذا مع سلطان الترك.

إن الأخبار التي وردت في تحفة النظَّار قد يعترض عليها البعض وقد يعتبرون ذكربعض الكرامات من المبالغات ولكنَّ المؤرخين المعروفين لم يكذِّبوا ابن بطوطة وقارنوا بين الأخبار التي ذكرها والتي ذكرها المؤرخون المعاصرون له وتحققوا من صدقها، كان أبو عبد الله بن بطوطة رجلا أميناً صادقا في دينه، صادقاً في أقواله حتى لقِّبه بعض المؤرخين بالرحَّالة الأمين.