أحسن القصص

الصفحة 70

وكان يكرم الناس على نحو رتبتهم عند الله، وربما دخل عليه عابد فلا يأبه له وربما دخل عليه عاصى فيحتفى به، لأن العابد جاء وهو متكبر بعلمه ناظر لفعله، أما العاصى فقد دخل بكسر معصيته وذله ومخالفته. وكان لا يثنى على مريد، ولا يرفع له علما بين إخوانه كى لا يحسد. صلى قيام رمضان سنة وقال: قرأت القرآن فى هذه السنة كأنما أقرأه على رسول الله . وفى رمضان من العام التالى قال: قرأت القرآن فى هذه السنة كأنما أقرأه على جبريل . فلما جاء رمضان من العام الثالث قال: قرأته فى هذه السنة كأنما أقرأه على الله. وقال: طريقتنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة، بل واحد عن واحد إلى الحسن بن على بن أبى طالب، وهو أول الأقطاب. عاش أبو العباس المرسى كما روى أحباؤه، نظيف الثياب، بشوش الوجه، طلق المحيا، وضاء الجبين، عف اللسان، لا يضمر سوءاً لأحد، متوسطا، معتدلا فى حياته ومعيشته، يتحرز فى دينه، ويحذر الحرام، ويحفظ حقوق أصحابه، ولا يحرم على نفسه الطيبات لأن ربه سبحانه يقول: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. ومع سعى أبى العباس إلى العمل الصالح فإنه لم يهمل حظه من الحياة، وكان يقتنى الخيل ويعنى بتربيتها وإطعامها وتفقد أحوالها. وكان يرفض الخصوصية فى زى الصوفى ويقول: من لبس الزى فقد ادعى. لم يؤلف كتبا، وكان يقول: كتبى أصحابى. وتخرج على يديه كبار الأئمة الأقطاب كالبوصيرى وياقوت العرش وابن عطاء الله السكندرى وغيرهم. مات أبو العباس المرسى فى سنة خمس وثمانين وستمائة عن حياة قاربت السبعين عاما، دفنه أصحابه ومريدوه فى مقبرة باب البحر. فى السنة التالية رأى أحمد الدخاخنى شيخ بنائى الإسكندرية فى منامه سلطان الإسكندرية، سأله: لماذا لا تعتنون بضريحى؟ جعل الدخاخنى تجديد الضريح وبناء المسجد شاغله وهمه، حتى أتم بناء المسجد فوق ضريح السلطان. وفى سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف ميلادية أعيد بناء المسجد فى صورته الحالية. صار أبو العباس مقصود الناس، يأتون إليه من الإسكندرية، أحيائها القريبة والبعيدة، ومن المدن والقرى خارج المدينة، يلتمسون بركاته ودعواته ومدده، يحيون مولده ثمانية أيام بعد مولد الرسول فى منتصف رمضان.