أحسن القصص

الصفحة 70

وكان فى طنطا سيدي حسن الصائغ الاخنائى وسيدي سالم المغربي فلما قرب سيدي أحمد من مصر أول مجئيه من العراق قال سيدي حسن ، مابقى لنا إقامة صاحب البلاد قد جاء، فخرج إلى ناحية أخرى وضريحه بها مشهور إلى الآن. ومكث سيدي سالم . فسلم لسيدي أحمد ولم يتعرض له. فأقامه سيدي أحمد ، وقبره فى طنطا مشهور، وكان الملك الظاهر بيبرس أبو الفتوحات يعتقد فى سيدي أحمد اعتقادا عظيما وكان ينزل لزيارته ولما قدم من العراق خرج هو وعسكره من مصر تلقوه وأكرموه غاية الإكرام. وكان غليظ الساقين طويل الذراعين كبير الوجه أكحل العينين طويل القامة، فحمى اللون وكان بوجهه ثلاث نقط فى خده الأيمن واحدة وفى الأيسر، اثنتان أقنى الأنف على أنفه شامتان، من كل ناحية شامة سوداء أصغر من العدس، وكان بين عينيه جرح موسى جرحه ولد أخيه الحسين بالابطح حين كان بمكة، ولما حفظ القرآن العظيم اشتغل بالعلم مدة على مذهب الإمام الشافعى حتى حدث له حادث الوله، فترك ذلك الحال وكان إذا لبس ثوبا أو عمامة لا يخلعها لغسل ولا لغيره حتى تذوب فيبدلونها له بغيرها والعمامة التى يلبسها الخليفة كل سنة فى المولد هى عمامة الشيخ بيده وأما البشت الصوف الأحمر فهو من لباس سيدي عبد العال . يقول وعزة ربى سواقي تدور على البحر المحيط لو نفذ ماء سواقي الدنيا كلها، لما نفد ماء سواقي، انتقل سنة خمس وسبعين وستمائة، واستخلف بعده على الفقراء سيدي عبد العال، وسار سيرة حسنة وعمر المقام والمنارات ورتب الطعام على الفقراء، وأرباب الشعائر، وأمر بتصغير الخبز على الحال الذى هو عليه اليوم وأمر الفقراء الذين صحت لهم الأحوال بالإقامة فى الأماكن التى كان يعينها لهم، فلم يستطع أحد أن يخالفه، فأمر سيدي يوسف أبا سيدي إسماعيل الانبابى أن يقيم بانبابه وسيدي أحمد أبا طرطور أن يقيم تجاه انبابه في البرية، وسيدي عبد الله الجيزي أن يقيم فى البرية تجاه الجيزة، وأمر سيدي وهيبا بالإقامة فى برشوم الكبرى. فأما سيدي يوسف، فأقبلت عليه الأمراء والأكابر من أهل مصر، وصار سماطه فى الأطعمة لا يقدر عليه غالب الأمراء،وكان سيدي عبد الوهاب الجوهري المدفون قريبا من محل مرحوم إذا جاء شخص يريد الصحبة يقول له دق هذا الوتد فى هذه الحائط فان ثبت الوتد فى الحائط أخذ عليه العهد. وان خارت ولم يثبت يقول له اذهب ليس لك عندنا نصيب وقد دخلت الخلوة ورأيت الحائط غالبها شقوق وما ثبت فيها إلا بعض أوتاد. وكان الشيخ يعلم من هو الأولى بالكشف وإنما كان يفعل ذلك حجة على المريد ليقضى بذلك على نفسه ولا تقوم، وكان شيخي العارف بالله محمد الشناوى أحد أعيان بيته رحمه الله قد كان أخذ على العهد فى القبة تجاه وجه سيد أحمد وسلمني إليه بيده فخرجت إليه اليد الشريفة من الضريح وقبضت على يدي وقال سيدي يكون خاطرك عليه واجعله تحت نظرك فسمعت سيدي أحمد من القبر يقول نعم. ثم أنى رأيته بمصر مرة أخرى هو وسيدي عبد العال. وهو يقول زرنا بطنطا ونحن نطبخ لك ملوخية ضيافتك فسافرت فأضافني غالب أهلها وجماعة المقام ذلك اليوم كلهم بطبيخ الملوخية ثم رأيته بعد، وقد أوقفني على جسر قحافة تجاه طنطا فوجدت سورا محيطا وقال قف هنا ادخل على من شئت وامنع من شئت ولما دخلت بزوجتي فاطمة أم عبد الرحمن وهى بكر مكثت خمسة شهور ولا أقرب منها فجاءني وأخذني وهى معي وفرش لي فرشا فوق ركن القبة على يسار الداخل وطبخ لي حلوى ودعا الأحياء والأموات إليه وقال أزل بكارتها هنا فكان الأمر تلك الليلة وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول أبطأ عبد الوهاب ماجاء. وأردت التخلف سنة من السنين فرأيت سيدي أحمد ومعه جريدة خضراء وهو يدعو الناس من سائر الأقطار والناس خلفه ويمينه وشماله أمم خلائق لا يحصون فمر على وأنا بمصر فقال أما تذهب فقلت بي وجع فقال الوجع لا تمنع المحب أراني خلقا كثيرا من الأولياء وغيرهم الأحياء والأموات من الشيخ وألزمني بأكفانهم يمشون ويزحفون معه يحضرون المولد ثم أراني جماعة من الأسرى جاءوا من بلاد الإفرنج مقيدين مغلوبين يزحفون على مقاعدهم فقال انظر إلى هؤلاء فى هذا الحال ولا يتخلفون فقوى عزمي على الحضور فقلت له إن شاء الله تعالى نحضر فقال لابد من الترسم عليك فرسم على سبعين عظيمين أسودين كالأفيال وقال لا تفارقانه حتى تحضرا به فأخبرت بذلك سيدي الشيخ محمد الشناوى فقال الأولياء يدعون الناس بقصادهم وسيدي أحمد يدعو الناس بنفسه إلى الحضور ثم قال إن سيدي الشيخ محمد السروى رضي الله تعالى عنه شيخ تخلف سنة عن الحضور فعاتبه سيدي أحمد وقال موضع يحضر فيه رسول الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معه وأصحابهم والأولياء (ما يحضره فخرج الشيخ محمد إلى المولد فوجد الناس راجعون وفات الاجتماع فكان يلمس ثيابهم ويمر بها على وجهه انتهى. وقد اجتمعت مرة أنا وأخي أبو العباس الحريثي رحمه الله تعالى بولي من أولياء الهند بمصر المحروسة. فقال ضيفوني فإني غريب وكان معه عشرة أنفس فصنعت له فطيرا وعسلا فأكل فقلت له من أى البلاد فقال من الهند فقلت ما حاجتك فى مصر فقال حضرنا مولد سيدي أحمد فقلت له متى خرجت من الهند فقال خرجنا يوم الثلاثاء فنمنا ليلة الأربعاء عند سيد المرسلين وليلة الخميس عند الشيخ عبد القادر ببغداد وليلة الجمعة عند سيدي أحمد بطنتا. فتعجبنا من ذلك. فقال الدنيا كلها خطوة عند أولياء الله تعالى عز وجل واجتمعنا به يوم السبت انضاض المولد طلعت الشمس فقلنا لهم من عرفكم بسيدي أحمد فى بلاد الهند فقالوا بالله العجب أطفالنا الصغار لا يحلفون إلا ببركة سيدي أحمد فهو من لا ظلم أينما حل وهل أحد يجهل سيدي أحمد إن أولياء ما وراء البحار والمحيط وسائر البلاد والجبال يحضرون مولده إن من ينكر حضور مولده فيسلب الإيمان فلم يكن فيه شعرة تحن إلى دين الإسلام وأخبرني شيخنا الشيخ محمد الشناوى . أن شخصا أنكر حضور مولده فسلب الإيمان فلم تكن فيه شعرة تحن لدين الإسلام، فاستغاث بسيدي أحمد فقال بشرط أن لا تعود فقال نعم، فرد عليه ثوب ايمانه. ثم قال له وماذا تنكر علينا قال اختلاط الرجال والنساء فقال سيدي أحمد ذلك واقع فى الطواف ولم يمنع أحد منه ثم قال وعزة ربى: ما عصى أحد فى مولدي إلا وتاب وحسنت توبته. وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك فى البحار وأحميهم من بعضهم بعضا فيعجز بي الله عز وجل عن حماية من يحضر مولدي وحكى لي شيخنا أيضا أن سيدي الشيخ أبا الغيث كتب أحد العلماء بالمحلة الكبرى واحد الصالحين بها كان بمصر فجاء إلى بولاق فوجد الناس مهتمين بأمر المولد والنزول فى المواكب فأنكر ذلك وقال هيهات أن يكون اهتمام هؤلاء بزيارة نبيهم مثل اهتمامهم بأحمد البدوي فقال له شخص سيدي أحمد ولى عظيم فقال ثم فى هذا المجلس من هو أعلى منه مقاما، فعزم عليه شخص فأطعمه سمك، فدخلت حلقه شوكة، تصلبت فلم يقدر على إنزالها بدهن عطاس ولا بحيلة من الحيل، وورمت رقبته حتى صارت كخلية النحل، تسعة شهور، وهو لا يتلذذ بطعام ولا شراب ولا منام، أتنساه الله تعالى السبب، فبعد تسعة شهور ذكره الله تعالى السبب، فقال احملوني إلى قبة سيدي أحمد ، فادخلوه فشرع يقرأ سورة يس فعطس عطسة شديدة فخرجت الشوكة مغمسة دما. فقال تبت إلى الله تعالى ياسيدي أحمد. وذهب الوجع والورم من ساعته وأنكر ابن الشيخ خليفة بناحية أبيار بالغربية، حضور أهل بلده إلى المولد، فوعظه شيخنا الشيخ محمد الشناوى فلم يرجع فاشتكاه لسيدي أحمد فقال ستطلع له حية ترعى فمه ولسانه فطلعت من يومه ذلك وأتلفت وجهه ومات بها. ووقع ابن اللبان فى حق سيدي أحمد فسلب القرآن والعلم والإيمان فلم يزل يستغيث بالأولياء فلم يقدر أن يدخل فى أمره فدلوه على سيدي ياقوت العرشي فمضى إلى سيدي أحمد وكلمه فى القبر وأجابه وقال له: أنت أبو الفتيان رد على هذا المسكين رأسماله فقال بشرط التوبة فتاب ورد عليه رأسماله وهذا كان سبب اعتقاد ابن اللبان فى سيدي ياقوت وقد زوجه سيدي ياقوت . ووقعه ابن دقيق العيد بامتحانه لسيدي أحمد مشهوره. وهو أن الشيخ تقي الدين أرسل إلى سيدي عبد العزيز الديريني . وقال له امتحن لي هذا الرجل الذى اشتغل الناس بأمره عن هذه المسائل فان أجابك عنها فهو ولى الله تعالى فمضى إليه سيدي عبد العزيز وسأله عنها فأجاب عنها بأحسن جواب. وقال هذا الجواب مسطر فى كتاب الشجرة فوجدوه فى الكتاب كما قال وكان سيدي عبد العزيز إذا سئل عن سيدي أحمد يقول هو بحر لا يدركه قرار. وأخباره ومجيئه بالأسرى من بلاد الأفرنج. وأغاثه الناس من قطاع الطرق. وحيلولته بينهم وبين من استنجد به، لا تحويها الدفاتر قلت وقد شاهدت أنا بعيني سنة خمس وأربعين وتسعمائة أسيرا على منارة سيدي عبد العال مقيدا مغلولا وهو متخبط العقل فسألته عن ذلك فقال بينا أنا فى بلاد الإفرنج آخر الليل توجهت إلى سيدي أحمد فإذا أنا به فأخذني وطار بي فى الهواء فوضعني هنا فمكثت يومين ورأسه دائرة عليه من شدة الخطفة.

هكذا تحدث المقريزي مؤرخ عصره وفيلسوف زمانه عن سيدي أحمد البدوي.