أحسن القصص

الصفحة 70

أبو على الروذباري

أبو على أحمد بن محمد الروذبارى البغدادى ثم المصرى، وروذبار تقال لمواضع عند الأنهار الكبار، وهذا الموضع عند طوس كما قال السمعانى، وقال الطلحى: قرية من بغداد، وقد صحب الجنيد والنورى وابن الجلاء وغيرهم، كان أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، كبير الشأن.

من كلامه: من الاغترار أن تسىء فيحسن إليك، فتترك الإنابة والتوبة توهما أنك تسامح فى الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق عليك، وقال: لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد ما بقى محب إلا مات، وقال: قدم علينا فقير فى يوم عيد فى هيئة رثة، فقال: هل عندك مكان نظيف، يموت فيه فقير غريب؟ فقلت كالمتهاون به: ادخل ومت حيث شئت فدخل فتوضأ وصلى ركعتين، ثم اضطجع ومات، فجهزته، فلما دفنته وكشفت عن وجهه لأضعه فى التراب، ليرحم الله غربته، فتح عينيه وقال: يا أبا على أتدللنى بين يدى من يدللنى؟ فقلت: يا سيدى أحياة بعد الموت؟ قال: نعم أنا حى، وكل محب لله حى، لأنصرنك غدا بجاهى يا روذبارى.

وقالت فاطمة أخت الروذبارى: لما قربت وفاة أخى كانت رأسه فى حجرى، ففتح عينيه وقال: هذه أبواب السماء قد فتحت وهذه الجنان قد زينت وهذا قائل يقول: يا أبا على قد بلغناك الرتبة القصوى وان لم تسألها، وأعطيناك درجة الأكابر وان لم تردها، وأنشأ يقول:

وحقك لا نظرت إلى سواكا بعين مودة حتى أراكا أراك معذبى بفتور لحظ وبالخد المورد من جناكا

وقال أيضا: من خدم الملوك بلا عقل أسلمه الجهل إلى القتل، وقال: إن الخشوع فى الصلاة (علامة) فلاح المصلى، قال تعالى ?قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون? وقال فى قوله تعالى ?إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقامو? استقاموا بالرضاء على مر القضاء والصبر على البلاء والشكر فى النعماء.

وقال أيضا: إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بكليته، فأول ما يفيد الاستغناء به عن الناس، وقال: صحبة الفساق داء والدواء مفارقتهم، وقال: إذا سكن الخوف فى القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه، وقال: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها وتغلب عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتدل عليهم وإن ستروها.

ومن أصحابه أبو على الحسن بن أحمد الكاتب أحد مشايخ وقته ومن كبار أهل مصر.

توفى رضى الله عنهه سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وقال السمعانى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.

أبو الحسين النورى

أبو الحسين أحمد بن محمد النورى البغدادى، لم يكن فى وقته أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلاما، صحب السرى وابن أبى الحوارى، وكان من أقران الجنيد، كبير الشأن، والنورى نسبة إلى نور، بليدة بين بخارى وسمرقند، ويقال النورى لنور كان بوجهه فنسب إليه، وقيل: النورى لحسن وجهه، سئل عن أدب المعرفة فقال: لا تصل إلى أول مبدأ حواشى المعرفة حتى تخوض إلى الله سبعة بحار من نيران، بحرا بعد بحر، فعسى بذلك يقع لك أوائل بدو علم المعرفة، وقال: إذا امتزجت نار التعظيم مع نور الهيبة فى السر هاجت ريح المحبة من حجب العطف على النار والنور، فيظهر فيه الاشتياق وتتلاشى البشرية، فيتولد من ذلك المثابرة.

وقال فى قوله تعالى ?وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم? أوفوا بعهدى فى دار محبتى على بساط خدمتى بحفظ حرمتى، أوف بعهدكم فى دار نعمتى على بساط قربتى بسرور رؤيتى، ومكث عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، فيخرج إلى سوقه فيتصدق بهما، ويدخل إلى مسجده، فلا يزال يركع حتى يحين وقت سوقه، فيذهب إليه، فيظن أهل سوقه أنه تغدى فى منزله، وأهل بيته أنه أخذ معه غداءه -وهو صائم- وذات مرة دخل الماء ليغتسل، فجاء لص فأخذ ثيابه، فخرج فلم يجدها، فرجع إلى الماء، فلم يكن إلا قليلا حتى جاء اللص بها وقد جفت يده، فقال رضى الله عنه: يا سيدى قد رد ثيابى فرُد عليه يده فردت ومضى، ولما سعى بالصوفية إلى الخليفة، وأمر بضرب أعناقهم، تقدمهم النورى وقد بُسط النطع، فقال له السياف: لا أدرى لماذا تبادر؟ وما الذى يعجلك؟ قال: أوثر أصحابى علىّ بحياة ساعة، فتحير السياف، وأنهى خبرهم إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى القاضى، فألقى القاضى على أبى الحسين مسائل فقهية، فأجاب عنها، ثم قال: وبعد فإن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله، وسرد ألفاظا حتى أبكى القاضى، فأرسل القاضى إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض موحد، فخلى سبيلهم، وقال: حيل بينى وبين قلبى أربعين سنة، ما اشتهيت شيئا، ولا تمنيت شيئا، ولا استحسنت شيئا منذ عرفت ربى.

واعتل النورى، فبعث الجنيد بصرة فيها دراهم وعاده، فردها النورى، ثم اعتل الجنيد، فدخل عليه النورى عائدا، فقعد عند رأسه ووضع يده على جبهته فعوفى فى ساعته، فقال النورى للجنيد: إذا زرت إخوانك فأرفقهم بهذا البر، وروى أنه أصابته علة وأصابت الجنيد علة، فالجنيد أخبر عن حاله، والنورى كتم، فقيل له: لما لم تخبر كما أخبر صاحبك؟ فقال: ما كنا لنبتلى ببلوى فنوقع عليها اسم الشكوى، فأعيد ذلك على الجنيد، فقال: ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن نكشف عن عين القدر فينا.

وروى أنه اجتمع الجنيد والنورى ورويم وابن وهب وغيرهم فى سماع، فمضى بعض الليل وأكثره، فلم يتحرك أحد منهم، ولا أثر فيه القول، فقال النورى للجنيد: يا أبا القاسم هذا السماع يمر مراً ولا أرى وجدا يظهر، فقال الجنيد: يا أبا الحسين ?وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب? فأنت يا أبا الحسين، ما أثر عليك؟ قال النورى: ما بلغت مقامى فى السماع، فقال له الجنيد: وما مقامك فيه؟ فقال: الرمز بالإشارة دون الإفصاح والكناية دون الإيضاح.

وقال الحسين بن الفضيل: حضرت النورى وهو فى الموت، فقلت: ألك حاجة؟ أو فى نفسك شهوة؟ فرفع رأسه وقد انكسر لسانه، وقال: أى والله أشتهى شهوة كبيرة، قلت: وما هى؟ قال: أشتهى أن أرى الله، ثم تنفس ثلاثا عاليا كالواجد بحاله وفارق الدنيا، وأنشد النورى:

كم حسرة لى قد غصت مرارتها جعلت قلبى لها وقفا لبلواكا وحق ما منك يبلينى ويتلفنى لأبكيك أو أحظى بلقياكا

وتوفى رضى الله عنه قبل الإمام الجنيد فى سنة خمس وتسعين ومائتين.