فبكى عمر بن هبيرة حتى بلَّلت دموعه لحيته، ومال عن الشَّعبي إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير (العراقين) فالتفت الشَّعبي إليهم وقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عزَّ وجلَّ على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله، ولكني أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجه الله، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه. وقد عاش الحسن البصري نحواً من ثمانين عاماً ملأ الدنيا خلالها ربيعاً للقلوب، ومواعظه التي هزَّت وما زالت تهُزُّ الأفئدة وتستدرُّ الشئون وتدُّل التائهين على الله وتنبه الغارين الغافلين إلى حقيقة الدنيا، وحال الناس معه.من ذلك قوله لسائل سأله عن الدنيا وحالها: تسألني عن الدنيا والآخرة !! إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب متى ازددت من أحدهما قربا ازددت من الآخر بعدا، وتقول لي صف لي هذه الدار !! فماذا أصف لك من دارٍ أولها عناءٌ وآخرها فناءٌ وفي حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزِن.ومن ذلك أيضاً قوله لآخر سأله عن حاله وحال الناس: ويحنا ماذا فعلنا بأنفسنا؟!! لقد أهزلنا ديننا، وسَّنا دنيانا، وأخلقنا أخلاقنا وجددنا فرشنا وثيابنا، يتكئ أحدنا على شماله، ويأكل من مالٍ غير ماله، طعامه غصْبٌ وخدمته سُخْرَة، يدعو بحلو بعد حامض، وبحار بعد بارد، وبرطب بعد يابس حتى إذا أخذته الكِظَّةِ تجشَّأَ من البَشَمِ ثم قال: يا غلام، هات هاضوماً يهضم الطعام، يا أُحيمق والله لن تهضم إلا دينك، أين جارك المحتاج؟!، أين يتيم قومك الجائع؟!، أين مسكينك الذي ينظر إليك؟! أيم ما وصَّاك به اله عزَّ وجل؟!!، ليتك تعلم أنك عدد، وأنه كلما غابت عنك شمس يوم نقص من عددك ومضى بعضك معه.وفي ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة مائة وعشر، لبَّى الحسن البَصْرِيُّ نداء ربه، فلما أصبح الناس وشاع فيهم نعيه ؛ ارتجت (البَصْرَةُ) لموته رجا، فغسل وكفن وصلي عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضى في رحابه جُلَّ حياته عالماً ومعلماً وداعياً إلى الله ثم تبع الناس جميعاً جنازته فلم تقم صلاة العصر في ذلك اليوم في جامع (البَصْرَةِ) لأنه لم يبق فيه أحدٌ يقيم الصلاة ولا يعلم الناس أن الصلاة عطَلت في جامع (البَصْرَةِ) منذ ابتناه المسلمون إلا في ذلك اليوم. يوم انتقال الحَسَنِ البَصْرِيُّ إلى جوار ربه.