وسيدنا عمر رضي الله عنه كان يُرى شديداً صارما في خلافة سيدنا أبي بكرالصديق رضي الله عنه ولكن لما آل إليه الأمر انقلب إلى حزين بكاء لا ينام الليل ويطوف ببيوت المسلمين يتفقَّد أحوالهم ويتحسس مطالب الأمة ويحمل الزيت والدقيق على ظهره إلى بيت المرأة العجوز ويوقد لها النار وهو يبكي والدخان يتخلَّل لحيته ويقول رضي الله عنه: كم أجاع عمر من أكباد المسلمين الويلُ لعمر. وقيل سمع عمر بكاء صبيٍّ بالليل فتوجَّه نحوه وقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيِّك ثمَّ عاد إلى مكانه فسمع بكاءه فأتى أمه فقال لها: إني لأراك أم سوء مالي أرى ابنك لا يقرُّ منذ الليلة: قالت وهي لا تعرفه: يا عبد الله قد أبرمتني الليلة إني أريغه عن الفطام فيأبى. قال: ولم: قالت: إنَّ عمر لا يفرض إلا للفطم. قال وكم له؟:قالت: كذا وكذا شهرا، قال: ويحك لا تعجليه، فصلَّى الفجر والناس لا تستبين قراءته من البكاء، فلما سلَّم قال: يا بؤساً لعمر كم قتل من أولاد المسلمين ! ثمَّ أمر منادياً فنادى: لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكلِّ مولودٍ في الإسلام. ، وكتب بذلك إلى الآفاق: إنا نفرض لكلِّ مولودٍ في الإسلام. واهتمَّ بالنساء اللائي يغيب أزواجهنَّ في الأسفار البعيدة وسأل ابنته حفصة: كم تصبر المرأة عن زوجها ؟ فأجابت ستة أشهر فكان لا يغزي جيشاً له أكثر من ستة أشهر ولنا عبرة الآن في كلام سيَّدنا عمر رضي الله عنه عندما نرى المغتربين الذين يقضون السنوات الطوال خارج الوطن ويتركون أزواجهم لمدة أربع أو خمس سنوات دون أن يرين أزواجهن وكذلك يفقدون الصلة بأولادهم وبناتهم وكثيراً ما يجرُّ هذا إلى كثير من المفاسد وخراب البيوت وعندما يكون الأب قد جمع مبلغاً كبيراً من المال وعاد إلى الوطن - هذا إذا حالفه التوفيق وكثيراً مالا يحالفه التوفيق ـ. يكون الانحلال قد دبَّ إلى الأسرة فيكون الأب قد فقد الأسرة وهو لا يستطيع أن يقوِّم إعوجاج زوجته وأبنائه بهذا المال الذي جمعه وقد تبيَّن الكثيرون خطأهم بعد فوات الأوان. إنَّ بقاء الأسرة معاً هو السبيل الوحيد لإنشاء رابطة قوية بين الأب والزوجة والأب والأبناء. وقد منع سيِّدنا عمر رضي الله عنه أيضاً في عهده الزواج بالكتابيات وعلَّل ذلك بأنه يخشى من الفتنة فإنهنَّ من قوم عدو وينسب إليه قوله (فمن لبنات المسلمين؟) وقد انتشر زواج المغتربين والمبعوثين في أوروبا وأمريكا بالكتابيات وقد أباحه الله تعالى في قوله: {اليوم أحلَّ لكم الطيِّبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} وقد تبيَّن لنا الآن من الأمثلة التي لا تحصى مخاطر الزواج من الكتابيات وما يجرُّه على الأبناء من الشتات النفسي فهم لا يستطيعون أن يحددوا بدقة إلى أي دينٍ ينتمون وقد لقيتُ كثيرا منهم وهم يُعلنون عن أنفسهم بوصفهم مسلمين ولكنهم لا يصلون ولا يصومون ويتشككون في كثير من قيم الإسلام، وكانت هناك امرأة كتابية متزوِّجة من مسلم وكان أولادها مسلمين و لكنها كانت تفرض على زوجها وأولادها أن يحضر القسيس إلى بيتها يوماً في الأسبوع (لكي ينصح الأولاد) على حدِّ تعبيرها وكلمة ينصح كلمة فضفاضة ولا شكَّ أنها كانت تريد أن تجرَّهم إلى دينها بهذا الأسلوب. كما أن رحمة عمر رضي الله عنه ببنات المسلمين وحرصه على إحصانهنَّ هو الدافع لقوله هذا ونحن أحوجُ ما نكون لحكمته في هذا الزمن الذي كثر فيه الفساد بل قد زاد عدد النساء على الرجال زيادةً كبيرة وقد حضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على حسن اختيار الزوجة حتى في إطار المجتمع المسلم وقال: عليك بذات الدين تربت يداك. وحذَّر من خضراء الدمن وهي المرأة الحسناء في منبت السوء ولو كانت مسلمة فكيف بمن هي على غير الإسلام تلك أسمى آياتِ الحكمة والحرص والسهر على مصالح المسلمين.