شجاعة الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه
ظلَّ الإمام عليَّاً على مرِّ الزمان رمز الفارس الأوحد الذي تضرب به الأمثال في الشجاعة والبسالة والإقدام، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أبسلُ الناس عليٌّ وأشجع الناس الزبير)، والبسالة فوق الشجاعة وقال الراهب الذي بشَّر برسول الله صلى الله عليه وسلم: ويُعينه على أمره فتىً وشيخ ـ يعني أبابكر وعلي رضي الله تعالى عنهما: أما الفتى فخوَّاضُ غمراتٍ، كشَّاف مُعضلات. وقد تجلَّت شجاعته في مبدأ الهجرة الأولى عندما نام في فراش رسول الله فكان أوَّل من فدى رسول الله بنفسه، وقال الإمام الرازي (إنَّ الله أنزل على نبيِّه في هذا قوله: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} وذكر أن جبريل كان يقول عليٍّ كرَّم الله وجهه: بخٍ بخ؛ من مثلك يباهي به الله ملائكته ! وله المواقف المشهودة في كلِّ مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من غزوةٍ إلا وهو فتاها الأول ولم يهزم قط. وله العلم الوافي بعلوم الحرب وقد قال كرَّم الله وجهه: قالت قريشٌ إنَّ ابن أبي طالبٍ رجلٌ شجاعٌ ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم وهل أحدٌ منهم أشدَّ لها مراسا وأقدم منها مقاماً مني، لقد نهضتُ فيها وما بلغتُ العشرين، وها أنا قد ذرَّفتُ على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. إنَّ عليَّ من الله جنة حصينة فإذا حان يومي انفرجت عني وأسلمتني، فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم.
ومن كلامه في تعليم الحرب
معاشر المسلمين، استشعروا الخشية، وتجلبوا السكينة، وعضوا على النواجذ فإنه أنبي للسيوف عن الهام، وأكملوا اللأمة (الدرع) وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلِّها، والحظوا الخزر(انظروا نظر الغضب) واطعنوا الشزر(يمينا وشمالا)، ونافحوا بالظبا (أطراف السيوف)، وصلوا اليوف باللخطى، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاودوا الكرَّ واستحيوا من الفر، فإنه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا،وامشوا إلى الموت مشياً سجحا. وقال لأصحابه في ساعة الحرب: وأي امريءٍ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد إخوانه فشلا، فليذبَّ عن أخيه بفضل نجدته التي فُضِّل بها علي كما يذبُّ عن نفسه، فلو شاء اللهُ لجعله مثله، الموت طالبُ حثيثٌ لا يفوت المقيم ولا يعجزه الهارب، إنَّ أكرم الموت القتل، والذي نفس أبي طالب بيده، لألف ضربةٍ بالسيف أهون من ميتةٍ على الفراش في غير طاعة الله. وقال كرَّم الله وجهه لأصحابه في ساعة اللقاء: فقدِّموا الدارع وأخِّروا الحاسر، وعُضوا على الأضراس، فإنه أنبي للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أمورُ للأسنة، وغُضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل. لأنَّ في الفرار موجدة الله، والذل اللازم، والعار الباقي، وإنَّ الفارَّ لغير مزيدٍ في عمره، ولا محجوزٍ بينه وبين يومه. فإذا عضَّ الفارس على أضراسه وأصابته الضربة على رأسه ارتدَّ السيف، وإذا حرَّك الفارس جسمه يميناً وشمالا أخطأته الرماح، وينصحهم أن لا يكثر الفارس من التلفُّت فقد يرى ما يخيفه.
ولسيدنا علي المواقف المشهودة في بدرٍ وفي أحد وفي الخندق وفي حنين حيث ثبت مع رسول الله وفي خيبر حيث فتح للمسلمين على يديه وحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(لأعطينَّ الراية غداً رجلا يحبه الله ورسوله ويحبُّ الله ورسوله) ولم تكن قوَّة الإمام علي قوة بشرية طبيعية بل كانت قوَّةً خصَّه الله تعالى بها فقد رُوي أنَّه لما حمل عليه مرحب اليهودي ضربه فأطار تُرسه من يده، فتناول الإمام علي كرَّم الله وجهه باباً كان عند الحصن فترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله الحصن، ثمَّ ألقاه عن يده وراءه ثمانين شبرا، قال الراوي: فجهدتُ أنا وسبعة نفرٍ على أن نقلب ذلك الباب فلم نقدر. وقد قاتل في غزوة الخندق فارسَ الأحزاب عمرو بن عبد ودٍّ حين خرج وقال: هل من مبارز؟ فأحجم الناس وقال علي كرَّم الله وجهه: أنا له يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس فإنه عمرو بن عبد ود. ثمَّ كرَّر عمرو النداء وجعل يوبِّخ المسلمين ويقول: أين جنَّتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، أفلا تبرزون ليَّ رجلا وأنشد:
ولقد بححتُ من الندا ء بجمعكم هل من مبارزْ إنَّ الشجاعةَ في الفتى والجودَ من خير الغرائزْ
فقام عليٌّ كرَّم الله وجهه وقال: أنا له يارسول الله، فقال له: إنه عمرو فقال: وإن كان عمرأ. فأذن له فأقبل عليه وهو ينشد:
لا تعجلنَّ فقد أتا ك مجيب قولٍ غير عاجزْ ذو نيَّةٍ وبصيرة والصدق منجي كلِّ فائزْ إني لأرجو أن أُقيـ مَ عليك نائحة الجنائزْ
وفي روايةٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه سيفه ذا الفقار وألبسه درعه الحديد وقال: اللهمَّ أعنه عليه ـ وفي روايةٍ ـ هذا أخي وابن عمي، فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين. فمشى إليه عليٌّ كرَّم الله وجهه فقال له: يا عمرو إنك كنت قد عاهدتَ الله لا يدعوك رجلٌ من قريش إلى إحدى خصلتين إلا اخترت إحداهما قال: أجل. قال كرَّم الله وجهه: فإني أدعوك إلى الله ورسول وإلى الإسلام. قال: لا حاجةَ لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى القتال، قال: لم يابن أخي فوالله ما أحبُّ أن أقتلك. قال علي: ولكني أحبُّ أن اقتلك. فغضب عمرو ونزل عن فرسه وأهوى إلي عليٍّ بسيفٍ كأنَّه شعلة نار فاستقبله بالدرقة فقدَّ الدرقةَ وأثبت سيفه فيها، وأصاب رأس عليٍّ فشجَّه وضربه عليٌّ كرَّم الله وجهه على حبل عاتقه فسقط، وكبَّر المسلمون فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير عرف أن علياً كرَّم الله وجهه قتل عمراً لعنه الله.وفي تفسير الفخر الرازي أنه صلى الله عليه وسلَّم سأل عليَّا: كيف وجدتً نفسك معه يا علي؟ قال: وجدته لو كان أهل المدينة كلُّهم في جانب وأنا في جانب لقدرتُ عليهم. وفي صفين خرج رجلٌ من أهل الشام فقتل أربعةً من أصحاب عليٍّ كرَّم والله وجهه وعليٌّ قد جاوز الستين فخرج إليه الإمام فقتله وقتل ثلاثة آخرين فقال: أربعةٌ بأربعة والجروح قصاص. ورجع فقال عمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنهما: اخرج إليه الآن وادعه للمبارزة فإن الجهد قد بلغ منه. فقال له معاوية: والله ما أردتَ إلا قتلي ليكون لك الأمر من بعدي فأنت تعلم أنَّ عليَّاً لم يهزم قط.
مقتل الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه
بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام عليَّاً بالشهادة قال الإمام علي:إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا عليُّ إنَّ أمَّتي سيفتنون من بعدي. فقلتُ: يا رسول الله أو ليس قد قلتَ لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة، فشقَّ ذلك عليَّ فقلتَ لي: أبشر، فإنَّ الشهادة من ورائك. فقال لي: إنَّ ذلك لكذلك، فكيفَ صبرُك يومئذ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر. وكان من أوَّل الإسلام حريصاً على الشهادة وقد ذكر هذا في قوله كرَّم الله وجهه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احمرَّ البأس قدَّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حرَّ السيوف، فقُتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد، وقتل جعفر يوم مؤتة، وأراد من شئتُ ذكرتُ اسمه مثل الذي أرادوا ولكنً آجالهم عُجِّلت ومنيَّته أجِّلت. وقال لقومٍ رموه بالتردد في القتال: والله لابن أبي طالبٍ آنس بالموت من الطفل بثديِ أمِّه. وكان يقول عندما كثر خلاف الناس له: أما آن لأشقاها أن يخضِّبَ هذه من هذه. ويشير إلى رأسه ولحيته. وقال كرَّم الله وجهه في سحرة اليوم الذي ضُرب فيه: ملكتني عيني وأنا جالس فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما لقيتُ من أمَّتك من الأود واللدد (الإعوجاج)؟ فقال لي: أدع عليهم. فقلت: اللهمَّ أبدلني بهم خيراً لي منهم، وأبدلهم بي شرَّاً لي منهم.
ولما خرج للصلاة صاحت الإوزات اللاتي كنَّ في البيت واعترضن طريقه، فزجرتهنَّ السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، فقال الإمام كرَّم الله وجهه: دعيهنَّ فإنهنَّ نوائ!
وقد تآمر ثلاثةٌ من الخوارج على مقتل سيدنا علي وسيدنا معاوية وسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعاً فأما الذي قصد معاوية فأصابه ولم يقتله، وأما الذي قصد عمرو بن العاص فقتل خارجة بدلا عنه وهو يظنُّه عمراً وأما الذي قصد علياً كرَّم الله وجهه فأصابه في مقتل وذكر ابن عبدون هذه الحادثة فقال:
وليتها إذ فدتْ عمراً بخارجةٍ فدتْ عليَّاً بمن شاءتْ من البشرِ أي ليتها في ذلك اليوم فدت عليَّاً رضي الله عنه بجميع أهل زمانه.
جاء عن أحد أصحابه كرَّم الله وجهه: إني لأصلي في تلك الليلة بالمسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلُّون في ذلك الشهر من أوَّل الليل إلى آخره إذ نظرتُ إلى رجالٍ يصلُّون قريباً من السدَّة قياما وركوعاً لا يسأمون، إذ خرج عليهم علي بن أبي طالبٍ في الفجر فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، وبعدها رأيتُ بريق السيف وسمعتُ قائلا يقول: الحكم لله لا لك يا علي، ثمَّ رأيتُ بريق سيفٍ آخر وسمعتُ عليَّاً يقول: لا يفوتنَّكم الرجل.. قيل فأما بريق السيف الأوَّل فكان شبيب بن بحيرة وأما بريق السيف الثاني فكان ابن ملجم لعنهما الله تعالى، وقالت السيدة زينب رضي الله تعالى عنها لما رأت الجرح: ليس بأبي من بأس، فقال ابن ملجم لعنه الله: والله لقد اشتريتُه بألف ـ وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله ـ يعني السيف
أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرةٌ لكم وغداً مفارقُكم، غفر الله لي ولكم،، وإنما كنتُ جاراً لكم جاوركم بدني أياما، وستعقبون مني جثَةً خلاء، ساكنةً بعد حراك، وصامتةً بعد نطقٍ، وليعظْكم هدوِّي وخفوت إطراقي، وسكونُ أطرافي، فإنَّهُ أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع، وقد أوصى ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهما لما ضربه ابن ملجم لعنه الله: أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيءٍ منها زوي، وقولا بالحق واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عونا. يا بني عبد المطَّلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقْتُلُنَّ بي إلا قاتلي. انظروا إن أنا متُّ فاضربوه ضربةً بضربة، ولا يمثَّل بالرجل فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. إيمانٌ وتسليمٌ بما قضى الله سبحانه وتعالى ودعوةٌ إلى إقامة الحقِّ والعدل يودِّع بها الدنيا.