ومما يؤيد هذا ما ذكره بعض العلماء ممن عاصر الفاطميين إنَّ هذا الرأس الذي بالقاهرة هو رأس سيدنا الحسين وكان بعسقلان وفي عهد الظاهر الفاطمي كتب عبَّاس إلى الظاهر يقول: إنَّ الإفرنج قد أشرفوا على الاستيلاء على عسقلان وإنَّ بها رأساً يقال إنه رأس سيدنا الحسين بن علي فأرسل إليه من تختار ليأخذه فبعث إليه فحُمل إلى مصر وأخذه الوزير الفاطمي الصالح ووضعه في كيس من حرير أخضر على كرسي من خشب الأبنوس وفرش تحته المسك والطيب وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة بالقرب من خان الخليلي .وأما دفن الجسد في أرض كربلاء فقد كذَّبه بعض العلماء عندما ذكروا نَّ المتوكِّل أمر بحرث قبر سيدنا الحسين وإخراج الجسد وحرث المكان وزرعه حتى يمنع تجمُّع الشيعة هناك فحرثوه فلم يجدوا جسداً ولا غيره.
أما الثابت عند أهل الكشف والاطلاع فهو أنَّ سيِّدنا الحسين موجود برأسه وجسده في مشهده الحسيني المعروف الآن في القاهرة وأن الجسد نقلته الملائكة من كربلاء إلى القاهرة، وقد ذكر مولانا الشيخ محمد عثمان عبده هذا الأمر كثيراً في دروسه. والكرامات الباهرة التي يرويها المشايخ والإخوان التي تقع في مقام الحسين كلها شاهدة على هذا وسيِّدنا الحسين أكرم على الله تعالى من أن يكون رأسه في مكان وجسده في مكان آخر.
وقد صوَّب العلماء باتفاق خروج الحسين على يزيد بن معاوية. وقال ابن العماد الحنبلي: وعلى الجملة فما نقل عن قتلة الحسين والمتحاملين عليه يدلُّ على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم ، وتهاونهم بمنصب النبوَّة وما أعظم ذاك !
وقد بكى الإمام علي زين العابدين علي أبيه حتى سُمّي البكاء، وقيل بكى عليه عشرين سنة، فقيل له في ذلك فقال: ويحكم إن يعقوب كان له اثنا عشر ولدا، فغيَّب الله واحداً منهم فابيضَّت عيناه من كثرة البكاء وابنه حي في دار الدنيا وإني نظرت إلى أبي وإخوتي وبني عمومتي وسبعة عشر شابَّاً من بني عمومتي مجزَّرين كالأضاحي، ونظرت إلى عمَّاتي وأخواتي وقد أحاط بهنَّ أهل الكوفة وهنَّ يستغثن ويندبن قتلاهن، والله ماذكرت ذلك اليوم إلا خنقتني العبرة.
وقال ابن حجر في صواعقه: وكان من مظاهر غضب الله لمقتل الحسين أن اسودَّت السماء وشوهدت النجوم بالنهار وحاق العذاب بكلِّ من اشترك في دمه ومضى وهو يقول:
أترجو أمةٌ قتلت حسينا شفاعة جدِّه يوم الحساب
وقيل ما اشترك رجلٌ في قتل سيِّدنا الحسين إلا مات بأبشع ميتة، منهم شمر بن الجوشن الذي احتزَّ الرأس الشريف فقد أصابه مرض الهُيام وهو العطش الذي لا يروى صاحبه فصار يشرب ولا يروى وألقى نفسه في دجلة ليروى فشرب حتى انشقَّت بطنه وهم الذين منعوا سيِّدنا الحسين الماء وكان شمر رجلا وضيعا وقد كان سيِّدنا الحسين يدعو فيقول: اللهمَّ اجعل منايانا بأيدي أراذل القوم، فاستجاب الله دعاءه. وحكى أبو العباس ثعلب رحمه الله في كتابه المجالس أن رجلا تاجراً من العرب أتي كربلاء فنزل على شيخ من طي فدعاهم إلى الطعام فجلسوا وتذاكروا سيدنا الحسين ومقتله فقال التاجر: بلغني أنه ما اشترك رجلٌ في قتله إلا مات بأبشع ميتة، فقال الرجل: ما أكذبكم يا أهل العراق ! فأنا ممن اشترك في قتله، فلم نبرح حتى دنا من المصباح ليُغيِّر الفتيلة فشبَّت فيه النار، فعدا إلى الماء فألقى نفسه فيه فمات حرقاً وغرقاً. ويقول بروفسير عبد الله الطيِّب وهو رجل محبٌّ لآل البيت يذكر سيدنا الحسين وما فعله به جيش عبيد الله بن زياد في قصيدة طويلة بكى فيها على سيدِّنا الحسين ثمَّ ختمها بقوله:
عجبتُ لقومٍ حينَ تدعو ابنَ فاطمة لتقتلَه غدراً ومكراً وظالمة أما علمتْ أن في غدٍ هي قادمة بما فعلتْ من فعلِها وهيَ آثمة على موقفٍ يُنسي جميع المواقفِ على موقفٍ فيه الحسابُ علانية وفيه شراراتٌ من النار دانية وتُدعى لسوقِ المجرمين الزبانية وما هي في سوق الخِباثِ بوانية فتدفعُهم في النار دفعةَ خاطفِ وقد وقفنا هذه الوقفة لنقضي حقاً علينا لسيِّدنا الحسين ولنقتبس من نور سيرته العطرة: نور الحسين علي الوجود يلوح ويعرفه المسق الذكي يفوح