أحسن القصص

الصفحة 70

وكان السيد منصور الرباني خال السيِّد أحمد في زمانه شيخ شيوخ جميع عصره وبصحبته تخرَّج السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه و شرب كأسه وتربى بتربيته ولبس خرقته وخلفه في مشيخة الشيوخ. وقيل بعد ذلك مرض الشيخ منصور رضي الله عنه مرض الوفاة فطال مرضه، وأيقن أصحابه وخواصُّه من أهل الكشف بدنوِّ أجله فصاروا يقولون: من يكون بعد الشيخ منصور؟ وكلٌّ منهم يقول أنا، وكان بينهم فقير أشعث أغبر لا يُعبأ به، وهو منكوس الرأس،فلما طال بينهم الجدال، وكثر المقال، رفع رأسه ذلك الفقير وقال: لقد قلتم فأكثرتم، وها أنا مخبركم بمن يكون بعد الشيخ، قالوا: هات فأخبرنا إن كان عندك خبرٌ أو علم، فقال لهم: يكون بعده الشيخ أحمد الرفاعي، فقالوا له: نريد الدليل على صحة قولك، فقال: بيني وبينكم الشيخ منصور، فدخلوا عليه وسلَّموا وهو مغشيٌّ عليه، فأخبروه بما قال لهم الفقير وكان يسمى ابن مريم فقال السيد منصور: القول ما قاله ابن مريم.قيل ولما أراد الشيخ منصور أن يجعل سيِّدنا أحمد الرفاعي خليفة له قالت زوجته وولداه وبعض محبيه: إنَّ ميراث الأب لا يكون إلا للابن ولا يكون لابن الأخت، فقال لهم الشيخ: إني رأيت شيئا وإن شئتم أريته لكم، فقالوا له: أرِنا،، فجمع الشيخ منصور أولاده وأحبابه، وأعطى لكلِّ واحد من ولديه سكيناً ودجاجة، وأعطى لسيِّدي أحمد كذلك سكيناً ودجاجة، وقال كلٌّ منكم يذهب بسكينه ودجاجته إلى مكان خال، ما فيه أحد ويذبح دجاجته فيه،ويأتيني بها مذبوحة، فراح كلٌّ منهم إلى جبل وذبح دجاجته وجاء بها مذبوحة، إلا سيِّدي أحمد فجاء بدجاجته حيَّة،قال له: يا أحمد لأي شيء جئت بها بلا ذبح؟ فقال: يا سيِّدي شرطتم عليَّ خلوَّ المكان وكلُّ مكان ذهبت إليه وجدته مشغولا بالله تعالى وهو حاضر ناظر، وما رأيت مكانا خالياً قط ! فقال سيدنا منصور رضي الله تعالى عنه: أنتم تريدون لمحبوبيكم والله يريد لمحبوبه.ثم ألحوا عليه مرة ثانية فأعطى رضي الله عنه كلّ واحد منهم منجلا من حديد وقال لهم: اذهبوا وهاتوا لي نجيلا من حشيش الغيط، فراح كلُّ واحد من أولاد الشيخ وحصد كلُّ واحد حملا وجاء به، إلا سيِّدي أحمد فإنه جاء خاليا، فقال له: يا أحمد لم جئت خاليا؟ قال: إني كلَّما أمسكت الحشيش وجدته يذكر الله تعالى فما حصدته حرمة لتسبيحه لله، فقال لهم السيد منصور: أما ظهر لكم أن عناية الحق مع سيِّدي أحمد؟ فقالوا: بلى، فقال لهم: والله وجِّهوا وجهة العبودية إلى محبته، وأظهروا الخدمة والملازمة في فناء عتبته، فإنه سيشيع اسمه ورسمه في آفاق الدنيا، ويظهر أمره في الأرض والسماء. فمن ذلك اليوم شاعت أخباره في العالم وفشت أسراره، وسار إليه الناس من البلاد والأقطار وعمَّتهم بركته.ولما أراد الله إظهار أمره في أم عبيدة في القرية السعيدة استمر سنة يُحيي فيه الليالي ويقري الضيف والوارد، ويردُّ الله على يديه الشارد، لا ينطق بحرف، قيل ولما ظهر فضل سيِّدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه وفاح طيبه، كان يتردد إلى أبواب الصالحين، ويتبرَّك بهم، ويتواضعُ لهم ويذكر فضلهم، ويظهر ذكرهم ويعظِّم شأنهم، وكان يكثر التردد إلى زيارة سيِّدي عبد الملك الخرنوبي قدَّس الله روحه، وكان يزوره في كلِّ سنةٍ مرة، فإذا قضى وطره منه وأراد الخروج يسأله الدعاء والوصيَّة، فلما كان في بعض السنين سأله الوصية بعد ما قضى وطره وأراد الخروج، فقال له: يا أحمد احفظ ما أقول لك؛ يا أحمد متلفِّت لا يصل، ومتسلِّل لا يفلح، ومن لا يعرف من نفسه النقصان فكل وقته نقصان، قال ثمَّ رجع من عنده وبقي سنة يرددها على نفسه، ما خطر له خاطر إلا ذكرها، ثمَّ إنه زاره في السنة الأخرى وأقام عنده ما طاب،،ثمَّ ودَّعه وأراد الخروج من عنده فقال له: يا سيِّدي أوصني، فقال له: يا أحمد ما أقبَّح العلَّة بالأطباء، والجهل من الألبَّاء، والجفا من الأحباء.قال فخرجت من عنده وودعته وبقيت سنة أرددها على نفسي، فلما كان في السنة الثالثة، زرته وأقمتُ عنده الذي قسم الله تعالى، وأردت الخروج من عنده، فقلت له: يا سيِّدي أوصني، فقال لي: يا أحمد لاترجع تزورني، ولا تجيء إليَّ فما بقي لك حاجة إلي ولا إلى غيري ولا إلي أحد من خلق الله تعالي فرجع الي ام عبيدة وشدت اليه الرحال وتحير فيه اهل الاحوال.1