أحسن القصص

الصفحة 70

وكان رضى الله عنه يترنم بهذه الأبيات: أوسِّع رحلى على من نزل وزادى مباح لمن قد أكلْ نقدِّم ما عندنا حاضرا ولو لم يكن غير خبزٍ وخلْ فأما الكريم فيرضى به وأما اللئيم فمن قد أقلْ

ومن كلامه رضى الله عنه:

وليس أخى من ودَّنى بلسانه ولكن أخى من ودَّنى في المصائب

وكان يقول: يا أولادى الشيخ يحفظ المريد الصادق في قربه وبعده، وقد اتفق أن الشيخ سليمان بن صالح تلميذ الأستاذ كان مقيما بالزاوية التى بالدرب الأحمر في مصر والأستاذ في شرنوب وكان الشيخ سليمان المذكور دخل الخلوة بالزاوية المذكورة وأقام بها أربعة عشر يوما فأرسل له الأستاذ مكتوبا يقول فيه إذا قرأت كتابى فاخرج من الخلوة عاجلا فلما قرأه امتثل أمر الأستاذ وقال هذا جزاء من يدخل الخلوة بغير إذن أستاذه، فما أن استتم الخروج من الخلوة حتى سقط سقفها فعلم أن الأستاذ ملاحظ للمحافظة عليه.

وقال بعض أتباع الأستاذ: سافرت مرة إلى الحج فحصل لى مرض برجلى فطلبت الركوب، فقال لى رجل معه ناقة: أعطنى عشرة أنصاف وأنا أعطيك ناقتى تركبها فركبتها وقلت: هذا بركة من أستاذى فقال: ومن أستاذك ؟ قلت: سيدى أحمد عربى الشرنوبى. فرمانى من فوق الناقة فنزلت على رجلى الأخرى وقال: لو تعطينى عشرة دنانير ماركبتها فقلت: لا حولَ ولا قوة إلا بالله لو علمت أن هذا يكره أستاذى ما ذكرته له، وإذا أنا بالأستاذ قادم وبيده ناقة بيضاء فمسح على رجلى حتى برئت ثم قال لى: إن الرجل الذى حملك على ناقته ثم رماك من أهل شرنوب من بيت الإنكار علينا، وأحمد الله حيث لم يقتلك فقلت له: ياسيدى أنا لم أعلم أنك في الحج فقال: أكتم أمرك وأركب هذه الناقة فركبتها فلما رجعت أتيت لزيارة الشيخ بشرنوب وإذا بالرجل الذى رمانى قد دخل على الأستاذ وسلَّم عليه وصار يقول: يا سيدى حملتُ رجلا في الحج على ناقتى من أجلك فقلت له: لأى شئٍ رميتنى من فوق ظهرها وكسرت رجلى ؟ فلما عرفنى خجل وولَّى. ثم إن الأستاذ توجَّه ثاني مرة إلى الديار الرومية سنة أربع وتسعين وتسعمائة في شفاعة لبعض أتباعه عند السلطان وكان معه جملة من خواصه فلما مرَّ على الشام أهدى له بعض الناس قماشا ففصَّل منه مئزرا طوله سبعة أذرع وعرضه ثلاثة أذرع، وقميصا واسعا، وأمر النقيب بحفظ ذلك إلى وقت الحاجة،فلما وصل إلى بلد ببلاد الروم يقال لها أرجاى مرض بها ثلاثة عشرة يوما ومات رضى الله عنه، فأمر الوزير إبراهيم باشا بأن يُبنى للأستاذ مقامٌ وزاويةٌ فبُنى له ذلك، ورتب فيها ترتيب عجيبا، ووقف أهل الناحية أيضا من الثمار ما يقوم بالزواية والمترددين عليها لما شهدوه من الكرامات الظاهرة والأنوار الباهرة، فإن مقامه عليه من الأنوار ما يبهر الزوار، وقد كان عمر الأستاذ إذ ذاك ثلاثا وستين سنة فيكون مولده سنة تسعمائة وواحد وثلاثين.